محمد غازي عرابي

782

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

القضاء المحكم والقضاء المبرم ، وقال في القضاء المبرم إنه قابل للنقض ، وإثباته أو نقضه هما من فعل الاختراع الإلهي . والنظرة النبوية والصوفية إلى ما يقع من أحداث تبين أن للّه في كل ما يفعله جكمة ، وهو أولا قاض يريد تحقيق مقاصد معينة لا نقض لها ، وهو حين بعث محمدا بالرسالة قضى مسبقا انتصار الإسلام على أيدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والصحابة ومن معهم من المسلمين المجاهدين . ولقد حدث أن بشّر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بفتح مكة ، فلما توجه إليها خرج للقائه المشركون ، ووقعت اتفاقية الحديبية وكان من شروطها أن يرجع النبي وجيشه فلا يدخلون مكة في ذلك العام ، فلما وافق النبي سأله عمر أما بشرتنا بدخول مكة ؟ فأجاب ، أجل ، ولكني لم أقل هذا العام . فجواب النبي شمل مفهومي القضاء والقدر جميعا ، فالقضاء قضى بدخول المسلمين مكة ، لكن الأحداث أجلت تحقيق ذلك ، فقبل النبي التأجيل وعاد بجيشه إلى المدينة ، وكان جوابه لعمر أن المسلمين سيدخلون مكة لكن ليس في ذلك العام . فلسورة الروم موعظة عظيمة ألا وهي أن على الإنسان أن يؤمن بقضاء اللّه وقدره ، فإذا وعد اللّه بنصره عبده ، وهو وعد على اللّه حق ، فإن على الإنسان السعي لتحقيق ذلك ، فإن حدث ما أعاق تحقيق القصد كان على المؤمن أن يتقبل النقض أيضا موقنا بأن اللّه هو الذي أراد النقض مثلما أراد في الأصل الإثبات . وإيمان كهذا واسع عظيم لا يدع الإنسان يستسلم إلى اليأس ولا يدعه يقنط من الوعد الذي وعد ربه إياه ، فإذا سار الإنسان قدما فاللّه هو المحرك الدافع ، وإن ناور ذات اليمين وذات الشمال فاللّه هو الذي أراد هذه المناورة ، ولئن عاد فاللّه أراد هذه العودة ، فالواقع مسرح نشاط القدرة الإلهية إقداما وإحجاما مع الإيمان بأن اللّه وعد المؤمنين النصر ووعدهم الجنة ووعدهم استخلافهم في الأرض . [ سورة الروم ( 30 ) : آية 8 ] أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ( 8 ) [ الروم : 8 ] التفكير في النفس الاستبطان ، وقال عليه السّلام : ساعة تفكر خير من سنة عبادة ، ففي النفس السر ، والناس في غفلة عنه محجوبون ، وعملية الاستبطان تكشف أن في النفس حوارا ، وأن الحوار دائم ، وأن النشاط الفكري دائم لا يمكن إيقافه ، والحوار النفسي أصله الروح ، ولهذا سمت الفلاسفة الروح العقل الفعال ، أي أن الفكر الذي هو عقل هو فعال ، أي فعال في الإنسان ، وما الإنسان إلا محل لهذا الفعل كما سبق لنا أن وصفنا الإنسان نفسه في